لماذا ..
تغرق وجهي بالالوان ؟
وتغرز نصل الخنجر
فوق وجنة كفي الأبيض
تجبرني أن أرسم في زمن الموعد
اشكالا بالدمع الأحمر
تقلع عيني ..
تترك رمشي يهذي فوق المحجر
يا فنان ..
هل تبحث للوحة عن عنوان ؟!
ترنيمة مرآة
الليل المبلول يلملم نفسه بعدما غادره نصفه الأول .. والريح أذرع وحشية تهز بعنف أوراق شجرة
اللبلاب المتشعبة بلا نظام على ذلك الجدار الداكن .. كما كانت تصفع وجها النافذة الخشبيان لينزلق
من شقوقها الأفقية الضوء كأعواد مضيئة تفترش الرصيف المبلول بتناسق جميل
باصابع مرتعشة مسحت قطرات العرق المتناثرة على جبهتها الحنطية .. رمت المرآة بعينها القلقة
ربما محاولة يائسة كي تعثر على اجابة مقنعة لما حدث .. وكذلك لتحد من هوس اضطراباتها الداخلية
همست :
* ايتها النفس تشظي كالحمم .. وتناسلي ما شئتي .. لن أدعكِ تهدئين .. أو أطلب منكِ شفقة
وأنتِ أيتها الروح سأنثركِ كحبات مطر فوق زجاج ساخن
الحزن .. أفعى تتلوى على ضوضاء من الأخطاء غير قابلة للتصحيح .. وأباريق من الأسى
تسكب حكايات الأمس المرشوشة بالأشواك
تحركت بخطوات ثقيلة بين تلك الجدران .. بداخلها صراخ يمزق احشائها صمته المخبول
يتصاعد ، يتساقط ، يجر معه الصدا المهزوم .. يرمي نفسه في بركة من النار .. يصير
رمادا .. يتلاشى قبل نهاية الطريق
المعبد الغريق * قد تزحزح من مكانه بسبب الاهمال .. الأبله * غفى فوق تلك المنضدة
المغبرة التي تحمل جثمان أمرأة مازال على جدائلها بقايا شمع ذائب .. غير أن تاريخ الموج *
في بدايتة مدروج قرب الوسادة .. كما هناك عشرات الشخوص تسمروا برتابة داخل توابيتهم
المعلقة التي يغلفها طيف من الغبار .. يحرسهم الفارس الصيني المصلوب على الجدار بكامل
عدته الحربية
تحركت اصابعها على ازرار الهاتف كمن يبحث عن منفذ للحياة .. الرنين .. وخزات عمياء
جعلتها تنكمش كعابدة خسرت كل ايمانها بين ايدي آله وثني لم يعبا مطلقا بنذورها ولا أمانيها
السابقة
بانهزام مبعثر تمتمت
* ايقضتك .. أسفة .. أحببت أن أسمع صوتك .. ماذا ؟ كما ترغب لتكن للمرة الأخيرة
كما تشاء .. نعم سوى لحظات .. انني بانتظارك
اعادة السماعة .. تحسست جسدها .. شعرت به اول مرة قد اعتلاه التغير .. نظرت الى المرآة
بخوف وارتباك .. سارعت بمسح دموعها الباردة
فتحت خزانة ملابسها .. بحثت جاهدة باختيار أجمل ما لديها .. جلست وراء مكتبها الصغير
بعدما اكملت زينتها .. مسكت الشفرة الخاصة بتقطيع الورق .. امتزج بريق عينيها المشع
بحديَّ الشفرة الصدئان
اخرجت قنينة صغيرة من احد الادراج تحتوي على لعاب الشيطان .. فتحت القنينة .. وضعت
نصل الشفرة فيها .. فتبسمت البقع الصدئة .. شعرت بأن هناك اصوات وصرخات وبكاء تدفقت
من فوهة القنينة وحسرات ندم امتزجت مع حركة الستائر .. شبكت اصابع كلتا يديها .. كأنها
تريد أن تحطم ذكرياتها التي أمست ككتل حجرية .. لكنها ترنمت هامسة :
* أيتها الشرايين المجنونة .. أراك كألسنة اللهب تمرحين بداخلي القشي .. وتدنسين محرابي
المقدس لتغرسين انيابكِ على وجنة روحي ، كي أرسم اشكالا للموعد بالدمع الأحمر
سمعت طرقا خفيفا على الباب .. جالت بعينيها الجائعة منذ زمن بعيد .. هرعت نحو المرآة
كقطة خسرت فريستها .. فبانت عينيها اكثر تحجرا وبرز الجمود على شكلها .. لكنها رسمت
ابتسامة طفل بعد بكاء مرير
عاد الطرق ثانية .. فتحت الباب .. دخل بهدوء تام يحمله شبابه الناضج تخفق خلفه طموحات
بلا نهاية .. استقبلته بملامح كبقايا اثار مدينة لفظتها الحرب .. احتضنته للحظة .. مسكت احدى
يديه .. اجلسته على الأريكة وجلست بقربه
نظر اليها .. لتتهشم ملامحه تحت معاول الاستغراب وبحزن حقيقي مغلف بالذهول بادرها :
* ماذا حدث ؟! لقد تغيرت كثيرا .. هل أنتِ متوعكة ؟
بشفاه مرتبكة اجابته :
* أنني بخير .. أسعدتني بقدومك
* لقد شختي بسرعة ياالهي .. ثلاثة اشهر .. اللعنة عليَّ .. هل أنا ...........
كانت تنظر الى عينيه الهاربة بخجل فقاطعته
* لا عليك .. لا تنسى أنا أكبر منك سنا بسنوات عديدة
لأول مرة شعر بان تضحياتها اللامتناهية اصبحت كقطع قرميد مدببة تنهال على كتفه
وعطاياها التي بلا حدود مخالب شرسة اخذت تمزق كل الاشياء بداخله المشوش ..
نهض .. نهضت .. كانا قربين من المنضدة .. همست :
* أأ مغادر
* انني ........
* كما تشاء
بقوة اخذته باحضانها .. كانت تحبه .. من اجله حرقت كل شروط التقاليد الموروثة ..
بحذر تركت رأسها على كتفه فقفزت شفرة الشيطان الى يدها لتطعنه في قلبه بسرعة
البرق ثلاث طعنات
سقط صوته المستسلم والمختنق بهدوء
* لماذا ؟!
لترتفع ترنيمة خفيفة
* لا تخف حبيبي .. سنغادر معا .. آآآآه
على شكل هالة انتشرت على المرآة بقع من الدم الصغيرة .. وبداخلها باسترخاء
عجيب وضع كل منهما رأسه على كتف الأخر جمعهما الاحتضان حد الالتحام
قرب قلبه ثلاثة ثقوب تتقيا .. وبخاصرتها استقرت الشفرة مبتسمة !!
البصرة
1995
الهوامش
المعبد الغريق / ديوان الشاعر الكبير بدر شاكر السياب
الأبله / احدى روايات دستوفسكي
تاريخ الموج / ديوان الشاعر فلاح عدوان












